فخر الدين الرازي
54
لباب الاشارات والتنبيهات
والثاني : إن أغلاط الحس كثيرة ، والتمييز بين حقها وباطلها ، لا يحصل إلا بقوة العقل . والقضايا الحسية لا يمكن جعلها من مبادئ العقل أوليا ، بل العقل ما لم يفرض تحقيقها ، لم تكن مقبولة . وأما المجربات فهي أنا إذا شاهدنا حدوث شئ عند شئ ، وعدمه عند عدمه ، يتأكد في النفس اعتقاد أنه حدث به . وهذا أيضا ضعيف لوجهين : أحدهما : أن العلم بأن الشئ الذي دار مع غيره وجودا وعدما ، لابد وأن يكون معللا به : إما أن يكون بديهيا أو برهانيا . فإن كان بديهيّا كان هذا من الأوليات ؛ فلم يجز جعله قسما آخر ، وإن لم يكن بديهيّا ، كان برهانيّا . والمقدمة البرهانية لا يمكن تعديدها في الأوائل والمبادئ . والثاني : هو أن الذي دار مع غيره وجودا وعدما ، فقد دار مع فصله المقوم ، ومع جميع لوازمه المساوية له ، مع أن شيئا منها ليس بعلة . قال : « وأما الحدسيات فهي قضايا . مبدأ الحكم بها حدس في النفس ، قوى جدا ؛ مع أنه لا يمكن إثباته بالبرهان . مثل : قضائنا بأن نور القمر ، مستفاد من الشمس ، لاختلاف هيئآت تشكل النور فيه » وأقول . هذا ضعيف . لوجهين : أحدهما : أن العلم بأنه لما اختلف أشكال أنوار القمر ، بحسب اختلاف قربه ، وبعده من الشمس ، وجب أن يكون نوره مستفادا من الشمس : إن كان علما بديهيّا ، لم يكن جعل هذا القسم قسيما للبديهيات ، وإن لم يكن كذلك ، افتقر إلى البرهان ، فحينئذ لا يكون جعله من المبادئ .